كان زايد في السابعة من عمره _ وقبل قليل من الأحداث المؤلمة _ عندما دفع به والده الحاكم إلى معلم ليعلمه القرآن الكريم .

وفي شهور قليلة كان صبي الثامنة قد استظهر القرآن عن ظهر قلب وأتقن ألفاظه ، ولكن دون فهم أو تعمق لمعانيه العظيمة أو آياته المعجزات في هذه السن المبكرة .

وكان أكثر ما يشغل زايد ، ويستحوذ على حواسه ومشاعره وتفكيره هواية الصيد أو القنص الذي أولع به كثيراً وصرفته عن التعليم والتمرد على معلمه ، ومع ذلك كان الصبي شديد الذكاء ، كثير التساؤل عن كل شيء حوله ، واستطاع في هذه المرحلة الاعتماد على نفسه ، في تعليم نفسه بنفسه كثيراً من أمور الحياة وعلوم الدين ، وخاصة علوم التراث الإسلامي والعربي .

كانت الصورة في أبوظبي _ في هذه السنوات المبكرة من القرن العشرين _ تختلف عما هي عليه اليوم ، حيث لم هناك مدارس ولا معاهد لتدريس العلوم الحديثة لذلك الجيل الذي نصطلح على تسميته (( بجيل المعاناة )) .

 وكان في هذه الفترة بعض (( الكتاتيب )) الصغيرة تعلم القرآن ، وبعضاً من مبادئ الدين _ وخاصة علوم العبادات _ وكان الأطفال يستخدمون العظام من أكتاف الجمال للكتابة كبديلة عن الورق ، وكانت الأقلام من جذوع الأشجار ، والحبر عبارة عن مادة سوداء من مخلفات (( مصباح الزيت )) الذي كان يستخدم للإنارة في معظم أنحاء الخليج حتى ظهور البترول ، ودخول الكهرباء في مرحلة متأخرة .

ويعترف زايد لكل من يسأله عن مرحلة طفولته وتعلمه (( أنه كان أحياناً يرفض التعلم ، وأحيانا ً كان متمرداً على معلمه ، وكان يفضل المرح واللهو والقنص في الصحراء أو في الجبال القريبة ، أو المناقشة مع أصدقائه وأقرانه .

كانت هواية القنص أو الصيد التي بدأت مبكرة عند زايد بالبندقية واستمرت بالصقور ، قد أسرته واستحوذت عليه حتى الآن ، لأنها كانت التسلية الوحيدة التي تثير فيه روح المغامرة ، ويجد فيها وقتاً للرياضة والتفكير الهادئ .

وتدل شواهد صباه أنه كان قناصاً ماهراً شجاعاً لا يعرف التردد أو الجبن ، وفارساً من فوارس الصحراء ، يجيد ركوب الخيل ، ويعرف أصولها ، وله إسطبل كبير في (( مزيد )) .

وفي حياة والده الشيخ سلطان ، كانت الأسرة تحتفظ بأكثر من 180 حصاناً وأكثر من 400 بعير ، وبالإضافة إلى إجادته لركوب الجمال فهو كذلك (( مبارز )) مشهور ، وسكان الصحراء عموماً يتيمنون بمأثورة عمر بن الخطاب (( علموا أولادكم الرماية والسباحة وركوب الخيل .. )) وهذه من الهوايات التي يجيد فنها زايد إجادة متقنة .

ورحلة الصيد هذه قد تستمر لشهور في الأيام الخوالي السابقة وسط الصحراء التي عشقها زايد وأحبها حتى اليوم .

 وهناك تقليد حديث أصبح عرفاً عند الشيخ زايد بعد توليه الحكم ، وهو الذهاب في رحلات الصيد مع حاشيته كل عام إلى باكستان ، وقد تمتد رحلة الصيد هذه إلى أكثر من شهرين .

لقد كان ولع زايد بالقنص ، سبباً من أسباب دراسته للصيد دراسة علمية وقد أصدر الشيخ زايد عن هذه الرياضة (( رياضة الصيد بالصقور )) كتاباً هاماً بهذا العنوان باللغتين العربية والإنجليزية . وفي هذا الكتاب يذكر د. مانع سعيد العتيبة وزير البترول في دولة الإمارات الذي كتب مقدمته : (( إنه يعتبر سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مرجعاً هاماً في هذا النوع من الرياضات العربية الأصيلة )) . كما يعتبر الشيخ زايد خبيراً في هذه الرياضة من حيث أصولها وفنونها وآدابها .

والسؤال الآن ما هي الأمور التي استخلصها زايد من تجاربه بكافة أنواع القنص وما سر حبه للقنص وتفضيله له عما سواه ؟ هذا هو السؤال .

 زايد يتحدث عن هذه التجربة بإفاضة ويفسر لنا الإجابة الواضحة والمحددة كما عاشها وفهمها ، وأدرك فوائدها وحكمتها :

منذ زمن مضى ، وكان عمري في هذا الوقت حوالي اثني عشر عاماً كنت أتصيد بالبندقية ، وأذكر وقتها أنني لصغر سني كنت لا أقوى على حملها كثيراً بل كنت أعتمد حين أضرب بالبندقية على ساتر أو أي شيء آخر .

لقد أحببت القنص وأخذت أمارسه ، وأخرج كثيراً للصيد مع من هم أكبر مني سناً ، وأتعلم منهم .

وحينما بلغت السادسة عشرة ، كنت قد تعلمت الصيد (( بالصقور )) فشرعت أزاول الصيد بالاثنين معاً _ بالبندقية حيناً وبالصقر حيناً آخر .

حينما بلغت من العمر الخامسة والعشرين ، وكان قد مضى علي وقت من الزمن في تعلم أصول الصيد وفنونه ، في هذا الوقت فضلت الصيد بالصقر على ما عداه ، وأقلعت عن استخدام البندقية في صيد الحيوان ، وكان لهذا التحول سبب في نفسي .

لماذا ؟

لماذا تحول زايد عن الصيد بالبندقية إلى الصيد بالصقور وما السبب ؟

خلاصة الإجابة يحكيها زايد في السطور التالية :

في ذات يوم ذهبت لرحلة صيد في البراري ، وكانت الطرائد قطيعاً وافراً من الظباء يملأ المكان من كل ناحية ، فجعلت أطارد الظباء وأرميها ، وبعد حوالي ثلاث ساعات قمت أعد ما رميته من الظباء ، فوجدتها أربعة عشر ظبياً ، عندئذ فكرت في الأمر طويلاً وأحسست أن الصيد بالبندقية إنما هو حمله على الحيوان ، وسبب سريع يؤدي إلى انقراضه ، فعدلت عن الأمر ، واكتفيت بالصيد بالصقر .

وشيء آخر هام جداً أغراني بحب هذه الرياضة ، ذلك أنها رياضة جماعية ، أكثر من كل أنواع الرياضات الأخرى . إن رحلة الصيد بالصقر تضم مجموعة من الرجال لا تزيد على ستين شخصاً ولا تقل عن عشرة أشخاص , وتكون الرحلة طويلة أحياناً لا تقل عن أسبوع أو أكثر  وهؤلاء الرجال بينهم الملك أو الحاكم أو الأمير ، ومنهم التاجر الكبير ، ومنهم أيضاً الرجل العادي ، ولكن جمعت بينهم حب الهواية والألفة والرغبة في التمتع بالقنص .

وهكذا يصور لنا زايد تجربته وعشقه وفلسفته لهذه الرياضة ، وقد عدد لها مجموعة من الفوائد أهمها التسلية وصفاء النفس ، وإتاحة الفرصة للحاكم المسؤول الذي يختلط ويعاشر هذه المجاميع من الناس أن يتعرف على رغبات شعبه ، ويدرك ما يجول في نفوسهم ، وأنها تظهر الطباع النبيلة والأخلاق الحميدة ، وتكشف عن الطباع السيئة والأخلاق الرديئة ، وتميز الطيب عن غيره من الناس ، وهي مجال لاختبار الرجال كما أنها وسيلة للرياضة البدنية والنفسية والأنس الذي لا ينسى ، كما أنها تكسب القناص خبرة عظيمة في التعرف على حياة الصحارى ، والتعود على الصبر والجلد .

إن (( زايد )) يؤكد لنا في سطر من كتابه القيم عن الصيد بالصقور ، كم هي عظيمة هذه الرياضة ، ويورد لنا شواهد حية من تاريخ الصيد وآدابه وحكم الشرع فيه ، وضرب لنا أمثلة عن الصيد في عصر بني أمية ، وعصر بني العباس استسقاها من أمهات المراجع العربية النادرة ولعلي أتساءل وأنا أتصفح العرض الشيق والسلس والحكايات المتضمنة من هذا المرجع القيم .. هل تأثر الشيخ زايد فيما بعد بيزيد بن معاوية أم بهشام بن عبد الملك من بني أمية ؟ أم تأثر بأبي العباس الذي قضى كثيراً من وقته في الصيد سواء وهو غلام أم شاب ، أم وهو خليفة _مكتهل  ؟ أم تأثر بالمهدي والرشيد أم بالمعتصم من بني العباس . لا أجزم على وجه اليقين بأي فريق تأثر ؟ وإن كان أغلب ظني أن (( زايد )) قد تأثر في هوايته للصيد بالعباسيين وخاصة بالمعتصم ، لأنه كما ذكر في متن كتابه عن المعتصم بأنه أشد خلفاء بني العباس ولعاً بالفروسية والصيد ، وكان لفرط شجاعته واعتداده بنفسه يمعن في الصيد ، ويسامر الذين في الفلوات ، ثم لا يكون حديثه معهم إلا عن الصيد .

وهذه خصال زايد ذاتها سواء في صباه وشبابه أو وهو ممثل الحاكم في مدينة العين أو عند توليه رئاسة الدولة الاتحادية اليوم .

وكان الصبي (( زايد )) لا يجد ذاته ومتعته إلا بالقنص ، وكان صبياً مغامراً وشجاعاً يركب الأخطار ،ولا يستطيع المرء أن يحصي كل ما قيل عن هواياته ومغامراته .. وهي كثيرة ومتعددة .. وكان ينطلق في كل مكان ووراء كل هدف ولم يكن هناك ما يمنعه .

وحسبنا ان نقف قليلاً مع موجهه ومعلمه في أيام صباه . يقول السيد / عبد الله غانم عن هذه الفترة : (( كان الصبي يصعد إلى جبل (( حفيت )) على الحدود بين العين وعمان لقنص الغزلان في إصرار يثير الدهشة . لقد كان أشجع صبي عرفته ، فلم يكن يهتم للطقس ، سواء أكانت حرارته لا تحتمل أم كان شديد البرودة .

وطلب أبوه مني أن أراقبه دوماً ، ومع ذلك كان يذهب في سبيله بصقوره وبنادقه .

وقد تكون في مخيم مع جماعة لتبحث فجأة حولك ، فتجد زايد قد اختفى كالريح .

حدث هذا في حياة والده الشيخ سلطان الذي كان يحبه ويدللـه كثيراً ، وعندما قتل والده تألم الصبي ألماً شديداً .. وحزن حزناً لم يعرفه صبي في مثل سنه .. وتغير كل شيء في حياته وسلوكه ، وبدا الطفل وسط الأحزان والمآسي وكأنه رجل ناضج وهو في التاسعة من عمره المبكر .

ويبقى سؤال في النهاية ..

هل تعلم زايد الطفل شيئاً من والده .. وماذا يتذكر زايد عن هذه الفترة ؟

يقول زايد : (( إنه لا يزال يتذكر مجلس والده حيث كان يحضر رجال القبائل في أبوظبي ومعهم اللؤلؤ يقدمونه للشيخ سلطان ، وقد بلغت الضرائب التي فرضها والده الشيخ على سفن صيد اللؤلؤ آنذاك حوالي 15.000 _ 20.000 جنيه إسترليني في السنة .

وخلال العشرينيات كثر السمك في مياه الخليج من نوع الأبراميس والنهاش والتن والأربيان مما وفر مصدر عيش جيداً لما لا يقل عن خمسة آلاف صياد كانوا يدفعون حصة للشيخ . ومع ذلك لم تكن قيمة الحصة ثابتة ، فكان دخل الشيخ بالتالي غير ثابت ومتقلباً .

كانت الهبات تقدم إلى رئيس القبيلة لمساعدته على مواجهة مصاريفه الكبيرة ، أما واجباته  فواجبه أن يجلس في المجلس ويحل المشاكل ، ويساعد المعوزين بما لديه من مال ، ويقدم القهوة والشاي والطعام للزوار في مجلسه .

ويدير دار الضيافة لاستقبال الزائرين القادمين إلى أبوظبي من العراق والبحرين وقطر والكويت وعمان ومصر وغيرها .

كان هناك سجاد ووسائد في انتظار الأجساد المتعبة وطعام كثير ، وكان على الشيخ وكامل أسرته أن يكونوا على استعداد ، في أي وقت لاستقبال الزائرين في حيوية .

وليس الحصن في أبوظبي _ في نواح كثيرة _ قصراً بقدر ما هو دار ضيافة مشرعة الأبواب ، ومركز استشارة ، وفندقاً كبيراً .

حيث يتم استقبال الضيوف سواء أكانوا خمسة أم خمسين ، وفي مجلس والده في أبوظبي تعلم زايد قوانين الحرب بين عرب البادية .

ويتذكر زايد في هذا المجلس كيف كان يأتي سلطان مسقط إلى زيارة والده في قافلة عبر سلسلة جبال ( حفيت ) محملاً بالهدايا ويتلقى بالمقابل هدايا أخرى .

ويتذكر أيضاً تلك الأيام الرائعة _ بعد هذه السنوات الطوال بإعزاز وفخر عندما كانت أبوظبي جزيرة وسط الخليج لا يستطيع المرء اجتيازها _ كاليوم إلا بسفينة أو أي وسيلة بحرية للعبور إلى البر في الجانب الآخر . يقول زايد عن أيام صباه ومتعتها : (( كنت أعبر ووالدي الماء في السفينة من أبوظبي إلى الجانب الآخر وكان في صحبتنا قرابة ثلاثين شخصاً )) .

(( كانت السفينة الكبيرة ذات الشراعين تمخر مياه الخليج في رشاقة )) .

وفي الظلة البيضاء عند مؤخر السفينة جلست ووالدي وإخوتي وقرب مقدمتها جلس القبطان . لقد حمل الباقون خيامهم وطعامهم ، إذ رحلة القنص الواحدة قد تدوم  عشرة أيام . وبعد ما وصلنا إلى البر سار الجميع مئات الأميال في الصحراء .

واليوم الموفق قد يشهد قنص اثني عشر طائراً ، وربما ستة غزلان ، وقد كان لحم الحبارى لذيذ المذاق مشوياً ، و الحبارى طائر كبير علوه قدمان ونصف ويصل وزنه إلى ثماني أوقيات .

(( وكنا نبدأ يومنا في الرابعة صباحاً مع الفجر ، ونعود قرابة الثانية عشرة بعد الظهر ، وإذا كان القنص سواء بالبندقية أو بالصقور جيداً عدنا باكراً ، حيث كان محتماً علينا حمل الطرائد بأنفسنا )) .

(( وكان هناك من يحمل الماء أيضاً عندما كان الماء نادراً في الماضي ، فيلجأ البدو إلى الرمل يغتسلون به . وبعد العشاء حول النار مساءً كانوا ينظفون أسنانهم بالمسواك )) .

وكانوا جميعاً يرتدون الدشداشة المريحة جداً في الصحراء ، والصنادل التي يخلعونها حيثما أمكن بحيث تبقى أقدامهم نظيفة كأيديهم . لقد كان وقتاً للرياضة والمغامرة المثيرة .

وفي رحلة الصبا المبكر عند زايد وفي أغوار نفسه أشياء كثيرة لا يمحوها الزمن ، لا زال يتذكرها سواء عن الأرض .. أو عن الناس .. أو عن العادات والتاريخ ، وكلها أشياء محفورة في ذهنه بإتقان .

 وعندما تسأل زايد عن أي شيء تجده حاضراً، ومعك على الخط ، وأكثر الأشياء التي يسعد زايد الإجابة عليها هو القنص ، وتاريخ البادية . وفي القنص ألف كتاباً قيماً ، ومرجعاً لهواة هذه الرياضة لا غنى لأي هاو عن اقتنائه . وعلى امتداد ثمانية فصول من سفره النادر (( رياضة الصيد بالصقور )) .

يتحدث الرجل بخبرة وبفن وبحب ودود تماماً كعاشق لا يلهيه في الحياة ولا يهمه من أمرها شيء _ بعد الله _ إلا معشوقته .

وبرغم مسؤوليات زايد الجسيمة إلا أنه يجد ذاته في هذه الهواية التي علمته الكثير من الحكمة والاتزان ، والصبر والزهد والتسامي .

يقول زايد في كتابه : (( رياضة الصيد بالصقور )) : (( فالقانص يوصف بيننا دائماً بالزهد ، وهو حينما يذهب لرحلة صيد يجد في ذلك مفاخرة بين أهله وعشيرته ، وحينما يعود غانماً بالطرائد يجد في ذلك كثيراً من الزهو بين رفاقه وأهل العشيرة )) .

وزايد كقناص يدرك أساليب وحيل هذه اللعبة ، ويتقن صنعتها تماماً كماهر في فن لا تفوته فيه شاردة أو نادرة .

والسؤال الآن لزايد كحاكم قد يواجهه بداهة من أي إنسان كما وجهه إليه عديد من الكتاب : (( ألا تشغلك يا صاحب السمو هذه الهواية عن مهام الدولة ومسؤولياتها الجسيمة ؟ .. ويبدو أن الرجل قد احتاط سلفاً في تحديد الإجابة بدهاء يوضح إلى أي مدى هو بعيد النظر ، ومتفهم تفهماً كاملاً للحقائق الثابتة والمتغيرة والمتوقعة في فن هذه الهواية وأحكامها وفضائلها .

وقد أدرج الرجل الإجابة في كتابه على شكل حوار بين سائل وملك ، يقول زايد (( قيل لبعض من كان محباً للصيد من حكماء الملوك .. إنك قد أحببت هذا وفيه مشغلة عن مهام الأمور ، ومراعاة الملك .

فقال : للمليك في مداومة الصيد فوائد كثيرة أقلها .. تبينه في أصحابه مواقع العمارة من بلاده في النقصان والزيادة فيه ، فإن رأى من ذلك ما يسره بعثه الاغتباط على الزيادة فيه ، وإن رأى ما ينكره جدد عنايته له ووفرها على تلافيه ، ولم يخرج ملك لصيد ، ورجع بدون فائدة أهمها أن يكون قد طويت عنه حال مظلوم فيتمكن من لقائه ، ويبوح إليه بظلامته )) .                           

 هذا هو إيمان زايد ودستوره وهي حكمة بالغة يؤمن بها ويجسدها .. فطبت زايد وطابت لك الدنيا .

وبلغ من اهتمام زايد برياضة القنص حداً جعله ينظم لها مؤتمراً دولياً ، ودعا إليه ، وعقد في أبوظبي في الفترة من 10 _ 18 ديسمبر سنة 1976  .

وقد اشترك في هذا المؤتمر أكثر من مئة عالم ومؤرخ وصقار وأخصائيين في الطب البيطري ، ومسؤولين عن المنظمات الدولية التي من اهتمامها المحافظة على الحيوانات وطيور البيئة من كل أنحاء أوروبا وأمريكا والدول العربية وبعض الدول الأفريقية .

وقد افتتح المؤتمر نجله العميد سلطان بن زايد آل نهيان القائد العام تحت رعاية والده رئيس الدولة سمو الشيح زايد بن سلطان آل نهيان .

وفي كلمة الافتتاح قال سلطان : (( إن اجتماعنا اليوم فكرة راودت سمو الوالد منذ مدة طويلة ، واليوم أصبحت الفكرة حقيقة واقعة )) .

وفي كلمة الاختتام قال سلطان بن زايد الشاب الطموح الذي يشق طريقه بهمة وشموخ : (( إن مؤتمرنا هذا يمتد بآماله وطموحه نحو المستقبل ، وهذا في رأيي أهم عناصر نجاحه وتوفيقه )) .

إن قرارات هذا المؤتمر قد أعطت عنايتها لأمرين هامين :

الأول : رعاية التراث الثقافي والعلمي (( للبيزرة ))       

الثاني : الذي قرره المؤتمر وتبناه هو الصندوق الدولي للرعاية والمحافظة على طيور وحيوانات البيئة ))

(( وقد أعلن سمو الشيخ سلطان أمام المؤتمرين أن دولة الإمارات ، وعلى رأسها سمو الشيخ زايد يؤكد تبنيها لهذه القرارات ، وجعلها موضع التنفيذ )) .

وقد أدى هذا الاهتمام بالصيد والقنص لأن يصدر رئيس الدولة مراسيم تحظر الصيد في بعض المناطق ، وخاصة صيد الغزلان محافظة على عدم انقراضها ، وتنظيم صيد الطيور في بعض المناطق ، وتحريمها في مناطق أخرى .

وعم اهتمام الشيخ زايد بكافة أنواع وكائنات البيئة المحلية من الطيور والغزلان والصقور ، والنباتات التي ملأ بها البيئة من أجل الإنسان ، ومن أجل سعادته وراحته ، فأنشأ الجزر والغابات ، ونقل إليها الغزلان وكل الحيوانات التي يخشى انقراضها .

وتمشياً مع هذا الهدف النبيل أصدر الشيخ زايد بن سلطان مرسوماً في مايو سنة 1978 يمنع صيد الغزلان نهائياً في أبوظبي ، كما تقرر إقامة حديقة على مساحة 16 كيلومتراً مربعاً لحماية الغزلان من الصيادين بعد أن أوشكت على الانقراض .

ووضعت خطة لإعادة توزيعها في جزيرة (( صير )) . وفي الغابات الجديدة على طريق أبوظبي ، وقد استعانت الدولة بخبير نمساوي يدعى (( شماين )) الذي يملك حدائق خاصة للحيوانات لمباشرة عملية نقل الغزلان إلى أماكنها الجديدة ، وبدأ جمع الغزلان واصطيادها بالإبر المخدرة ، ثم تطلق بعد ذلك في الجزيرة والغابات )) .

إن رحلة البحث عن الذات ، وعن أغوار النفس عند زايد القناص ، رحلة طويلة ومع ذلك فإننا لا نستطيع أن نتابع الرحلة إلى النهاية ، لأن أمامنا مشواراً طويلاً ، ومجلدات ضخمة ربما لا تحصى دقائقها .

ومما يؤثر عن زايد (( القناص )) جرأته وشجاعته وإقدامه وسط البادية .

وعن زايد (( الحاكم القناص )) بساطته وتبسطه ، وتواضعه بين حاشيته ومرافقيه . وفي رحلة القنص نجد زايد ينادي على كل فرد فيها باسمه من القناص إلى التابع إلى السائق .

وفي ليالي القنص يجلس الجميع يلهون ويمرحون وسط الصحراء على سجيتهم لساعات طويلة يتسامرون على ضوء القمر ، والنيران التي يشعلونها بعد يوم شاق قضاه الجميع في رحلة الصيد أو البحث عن المجهول .. وعم المتعة .. وهم جميعاً _ سواء _ الحاكم والرعية في هذه الرغبة والهواية .

وزايد الصبي فالحاكم ، ثم رئيس الدولة في مرحه ولهوه وتبسطه ، وقنصه ومغامراته كان لا ينسى قط صلته بالله .. لأن الله دائماً قريب منه وهو يعلم ذلك علم اليقين .. لأن أولئك البسطاء الذين يفترشون الرمال الصفراء .. ونظراتهم دائماً إلى السماء يدركون بعمق كم هو عظيم وكبير ذلك الخالق المبدع الذي يتجلى إبداعه ، وتتنوع معجزاته أمامهم ليلاً ونهاراً من خلال مخلوقاته ، وأسراره التي أودعها السماء والصحراء .

وإذا نظر المرء إلى زايد وهو يتصدر ببساطة جلسة من جلسات السمر وسط الصحراء على سجيته وطبيعته بين مرافقيه في دائرة كبيرة يدرك تماماً عمق شخصية هذا الرجل وقوتها وإيمانها المتأسي دائماً بقول الرسول عليه الصلاة والسلام :

(( ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن الله سيفتح لكم الأرض وستكفون المؤنة ، فلا يعجزن أحدكم أن يلهون بسهمه )) نعم زايد .. إنها رخصة مباحة وهواية مشروعة .